واستظرفته فلما كان الليل خرجت من عنده، وقد كنت حملت معي خريطة فيها دنانير، فقلت له: خذها فاصرفها في بعض مؤنتك، ولك عندنا مزيد ان شاء الله تعالى، فقال: ما اعجب هذا!! والله عزمت على ان اعرض عليك جملة ما عندي، وأسألك أن تتفضل بقبولها ثم أجللتك عن ذلك، وامتنع من قبول شيء، ومضى حتى دلَّني على الموضع الذي احتجت اليه، وانصرف، وكان آخر العهد به.
وفي سنة ست ومائتين- وذلك في خلافة المأمون- مات يزيد بن هارون بن رادان الواسطي، وله تسع وثمانون سنة، وكان مولده سنة سبع عشرة ومائة وهو مولى لبني سُلَيم، وكان أبوه يخدم في مطبخ زياد بن أبيه وعبيد الله بن زياد ومصعب بن الزبير والحجاج بن يوسف، ويزيد هذا عند اهل الحديث من عِلْيتهم وعظيم من عظمائهم، وكانت وفاته بواسط العراق.
موت جماعة من اهل العلم:
وفيها مات جرير بن خُزَيمة بن حازم، وشيبة ابن سوَّار المدني، والحجاج بن محمد الأعور الفقيه، وعبد الله بن نافع الصائغ المدني مولى لبني مخزوم، ووهب بن جرير، ومؤمل بن اسماعيل، وروح بن عبادة، وفيها مات الهيثم بن عديّ وكان يغمز عليه نسبه، وفيه يقول القائل:-
إذا نسبتَ عَديًا في بني ثُعَل ... فقدِّم الدال قبل العين في النسب
قصة وفاء وايثار:
وفي سنة تسع ومائتين مات الواقدي، وهو محمد بن عمرو بن واقد مولى لبني هاشم، وهو صاحب السير والمغازي، وقد ضعف في الحديث، وذكر ابن أبي الأزهر قال: حدثني ابو سهل الرازي، عمن حدثه عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة، وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا