وخلف البغيل ابنه على جمل آخر، وخلف ابن البغيل على جمل آخر رجل من أهل الشام يعرف بابن المهندس، وقد لبسوا الدراريع من الحرير الأحمر والأصفر، وعلى رؤوسهم البرانس، وطوِّق وسُوِّر خاقان المفلحي وغيره من القواد ممن أبلى في ذلك اليوم الذي كان فيه أسر وصيف الخادم، وقد كان المعتضد أراد استحياء وصيف الخادم وأسف على موت مثله لشهامته وشجاعته وحسن حيله وإقدامه، ثم قال: ليس في طبع هذا الخادم أن يرأسه أحد، بل في طبعه أن يرؤس في نفسه، وقد كان بعث إليه بعد أن قبض عليه وأوثق بالحديد: هل لك من شهوة؟ قال: نعم، باقة من الريحان أشمها، وكتبٌ من سير الملوك الغابرة أنظر فيها، فلما رجع الرسول الى المعتضد وأخبره بما سأله أمر له بما طلب، وأمر من يراعي نظره في الكتب، في أي فصل ينظر؟ فأخبر أنه يديم النظر في سير الملوك وحروبها ومحنها، دون سائر ما حمل الى حضرته من الدفاتر، فتعجب المعتضد وقال: هو يهون على نفسه الموت.
وفي هذه السنة كانت وفاة أبي عبيد الله محمد بن أبي الساج بأذربيجان، فاختلفت كلمة أصحابه وغلمانه بعده، فمنهم من انحاز الى أخيه يوسف بن أبي الساج، ومنهم من انحاز الى ولده بودار.
بشر بن موسى المحدث:
وفي هذه السنة- وهي سنة ثمان وثمانين ومائتين- كانت وفاة أبي علي بشر بن موسى بن صالح بن صبيح بن عمير، المحدث، وله ثمان وسبعون سنة، ودفن في الجانب الغربي بمقابر باب التين.
عمرو بن الليث:
وفي هذه السنة أدخل عمرو بن الليث إلى مدينة السلام في جمادي الاولى، قدم به عبد الله بن الفتح رسول السلطان، فشهر عمرو، وأركب على جمل فالج وقد ألبس دراعة ديباج وخلفه بدر والوزير القاسم بن عبيد الله في الجيش، فأتوا به الثريا، فرآه المعتضد ثم أدخل المطامير، وقد كان في هذا الوقت ثارت عساكر الشاكرية من قبل طاهر بن