سارت فمضت غير بعيد، ثم عادت إلى مبركها فبركت واطمأنت، والنبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحكام الباري فيه، وتوفيقه له، فنزل عنها، وسار إلى منزل أبي أيوب الأنصاري- وهو خالد بن كليب ابن ثعلبة بن عوف بن سحيم بن مالك بن النجار- فأقام في منزله شهرًا حتى ابتنى المسجد من بعد ابتياعه الموضع، وأحدقت به الأنصار، واشتد سرورهم به، وأظهروا التأسف على ما فاتهم من نُصْرته، وفي ذلك يقول صرمة بن أبي أنس أحد بني عدي بن النجار من قصيدة:-
ثَوى في قريش بضع عشرة حجة ... يُذَكِّر لا يلقى صديقًا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يوفي ولم ير داعيا
فلما أتانا أظْهَرَ الله دينه ... وأصبح مسرورًا بطَيْبَةَ راضيا
وأصبح لا يخشى من الناس واحدًا ... بعيدًا، ولا يخشى من الناس دانيا
بَذَلْنَا له الأموال في كل ملكنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله للحق رائيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعًا، وإن كان الحبيب المصافيا
فافترض صيام شهر رمضان، وحُوِّلت القبلة إلى الكعبة بعد قدومه بثمانية عشر شهرًا، وقد قيل: إنه أنزل عليه بالمدينة من القرآن اثنتان وثلاثون سورة.
ثم قبضه الله يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول ستة عشر في الساعة التي دخل فيها المدينة، في منزل عائشة رضي الله عنها، وكانت علته اثنى عشر يوما.
غزواته:
وكانت غزواته صلى الله عليه وسلم بنفسه ستًا وعشرين غزوة، ومنهم من رأى أنها سبع وعشرون، الأولون جعلوا منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة،