في خلافته، لما انتشر من كتب ماني وابن دَيْصان، ومرقيون مما نقله عبد الله بن المقفع، وغيره، وترجمت من الفارسية والفهلوية الى العربية، وما صنفه في ذلك ابن أبي العوجاء، وحماد عجردٍ، ويحيى بن زياد، ومطيع ابن إياس: من تأييد المذاهب المانية، والدَّيْصانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أول من امر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين، وأزالوا شُبَهَ الملحدين، فأوضحوا الحق للشاكين، وشرع في بناء المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم على ما هما عليه الى هذه الغاية، وبَنى بيت المقدس، وقد كان هدمته الزلازل.
قال: فأخبرني عن الهادي على قصر أيامه كيف كانت أخلاقه وشيمه؟
قلت: كان جبارًا عظيما، وأول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المُرْهفة، والأعمدة المشهورة، والقسيِّ الموتورة، فسلكت عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره.
قال: لقد أجَدْت في وصفك، وبالغت فيما ذكرت من قولك، فاخبرني عن الرشيد كيف كانت طريقته؟
وصف الرشيد:
قلت: كان مواظبًا على الحج، متابعًا للغزو، واتخاذ المصانع والآبار والبرك والقصور في طريق مكة، وأظهر ذلك بها وبمنىً وعَرَفات، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فعم الناس إحسانه، مع ما قرن به من عدله، ثم بنى الثغور، ومَدَّن المدن، وحصَّن فيها الحصون، مثل طرسوس وأذنة، وعمر المصيصة، ومرعش، وأحكم بناء الحرب، وغير ذلك من دور السبيل والمواضع للمرابطين، واتبعه عماله، وسلكوا