الأجسام، وتبلد الأحلام، وتصفي الألوان، لا سيما أرض حِمْص فإنها تحسن الجسم، وتصفي اللون، وتبلّد الفهم، وتنزح غوره، وتجفي الطبع، وتذهب بماء القريحة، وتنصب العقول، والشام- يا أمير المؤمنين، وإن كانت على ما وصفت لك- فهي مَسْرَح خصب، ووابل سَكب، كثرت أشجاره، واطَّردت أنهاره، وغمرت أعشاره وبه منازل الأنبياء، والقدس المجتبى، وفيه حل أشراف خلق الله تعالى من الصالحين والمتعبدين، وجباله مساكن المجتهدين والمنفردين.
وأما أرض مصر فأرض قَوْراء غَوْراء، ديار الفراعنة، ومنازل الجبابرة، تحمد بفضل نيلها، وذمُّها أكثر من حمدها، هواؤها راكد، وحرها زائد، وشرها وارد، تكدر الألوان، وتخبب الفِطَن وتكثر الإحن، وهي معدن الذهب والجوهر والزمرد والأموال، ومغارس الغَلَّات، غير أنها تسمن الأبدان وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، وفي أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء وخديعة، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن، لترادف فتنها، واتصال شرورها.
اليمن:
وأما اليمن فيضعف الأجسام، ويذهب الأحلام، ويذهب بالرطوبة، في أهله همم كبار، ولهم أحساب وأخطار، مَغَايضه خصبة، وأطرافه جَدْبة، وفي هوائه انقلاب، وفي سكانه اغتيال، وبهم قطعة من الحسن، وشعبة من التَّرَفه، وفقرة من الفصاحة.
الحجاز:
وأما الحجاز فحاجز بين الشام واليمن والتهائم، هواؤه حَرور، وليله بَهُور، ينحف الأجسام، ويجفف الأدمغة، ويشجع القلوب، ويبسط الهمم، ويبعث على الإحن وهو بلد مَحْل قَحْط جَدْب ضَنْك.