الهابطة طلبها، وانحدر فيها، ولم يتراكم حتى يعلو الجبال، لأن في طباع الماء طلاب الخفض، فحفر الملك المصارف حتى انحدر الماء وانصرف وتدافع الى تلك الجهة واتخذوا السد في الموضع الذي كان فيه بدء جريان الماء من الجبل الى الجبل، وجعلوا فيه المخراق على ما وصفنا آنفًا، ثم اجتذبوا من تلك المياه نهرا مرسلًا ومقدارا معلومًا ينتهي في جريانه الى المخراق، ثم ينبعث الماء منه الى تلك الانقاب، وهي الثلاثون مخراقًا الصغار التي قدمنا ذكرها، وكانت البلاد عامرة على ما وصفنا آنفًا.
ثم ان تلك الأمم بادت ومرت عليها السنون، وضربها الدهر بضرباته وطَحَنها بكَلْكله، وعمل الماء في أصول ذلك المخراق، وأضعفه ممر السنين عليه وتدافع الماء حوله، وقد قيل في المثل: إذا أثر تواتر الماء على الحجر الصلد فما ظنك بسيل يتدافع على حديد وحجر مصنوع؟
فلما سكنت أبناء قحطان ما وصفنا من هذه الديار وتغلبت على من كان فيها من القطَّان لم تعلم الآفة من انحطام السد والمخراق وضعفه، فغلب الماء عند تناهي السد والبنيان، في الضعف عنه، على السد والمخراق والبنيان، فقذف به في جريه ورمى به في تياره وذلك إبان زيادة الماء، واستولى الماء على تلك الديار والجنان والعمائر والبنيان، حتى انقرض سكان تلك الأرض، وزالوا عن تلك المواطن، فهذه جملة من أخبار سيل العرم وبلاد سبأ.
العرم:
ولا خلاف بين ذوي الدراية منهم، أن العرم هو المسناة