فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 1697

الى آخرها لا تواجهه الشمس ولا تعارضه، لاستتار الأرض بالعمارة الشجرية، واستيلائها عليها، وإحاطتها بها، وكان أهلها في أطيب عيش وأرفَهِهِ، وأهنأ حال، وأرغد قرى، وفي نهاية الخصب، وطيب الهواء، وصفاء الفضاء، وتدفق الماء، وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة، وكانت بلادهم في الارض مثلا، وكانوا على طريقة حسنة من اتباع شريف الأخلاق، وطلاب الإفضال على القاصد والسفر بحسب الإمكان وما توجبه القدرة من الحال، فمكثوا على ما شاء الله من الاعصار، لا يعاندهم ملك الا قصَموه، ولا يوافيهم جبَّار في جيش إلا كسروه، فذلت لهم البلاد، وأذعَنَ لطاعتهم العباد، فصاروا تاج الارض. وكانت المياه التي هي اكثر ما يرد الى أرض سبأ تظهر من مخراق من الحجر الصَّلْد والحديد من ذلك السد والجبال، طول المخراق فيما وصفنا فرسخ، وكان وراء السد والجبال أنهار عظام، وكان في هذا المخراق الآخذ من تلك الانهار ثلاثون نَقْبًا مستديرة في استدارة الذراع طولًا وعرضًا مدورة على أحسن هندسة وأكمل تقدير، وكانت المياه تخرج من تلك الانقاب في مجاريها حتى تأتي الجنان فترويها سقيًا، وتعم شرب القوم، وقد كانت أرض سبأ قبل ما وصفنا من العمارة والخصب يركبها السيل من تلك المياه، وكان ملك القوم في ذلك الزمان يقرّب الحكماء، ويدنيهم، ويؤثرهم، ويحسن اليهم، فجمعهم من أقطار الارض للالتجاء الى رأيهم، والأخذ من محض عقولهم، فشاورهم في دفع ذلك السيل وحصره، وذلك أنه كان ينحدر من أعالي الجبل هابطًا على رأسه حتى يهلك الزرع ويسوق من حملته البناء، فأجمع القوم رأيهم على عمل مصارف له الى براري تقذف به الى البحر، وأخبروا الملك ان الماء إذا حفرت المصارف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت