بحاجتك، قال أخبر أمير المؤمنين أن مصائب الدهر وأعاجيب الأيام ومحن الزمان قصدتني فأخذت مني ما كانت الدنيا أعطتني، فلم تبق لي ضيعة إلا خربت، ولا نهر إلا اندقر، ولا منزل إلا تهدَّمَ، ولا مال إلا ذهب، وقد أصبحْتُ لا أملك سَبَدًا ولا لَبَدًا، وعليَّ دَيْن كثير، ولي عيال وأطفال وصبية صغار، وأنا شيخ كبير، قد قعدت بي المطالب، وكبرت عني المكاسب، وبي حاجة إلى نظر أمير المؤمنين وعطفه، قال فبينما هو في الكلام إذ ضَرَطَ، فقال: وهذا يا أمير المؤمنين من عجائب الدهر ومحنته، ولا والله ما ظهر مني قط إلا في موضعه، فقال المأمون لجلسائه: ما رأيت قط أقوى قلبًا ولا أرْبطَ جأشًا ولا أشد نفسًا من هذا الرجل، ثم أمر له بخمسين ألف درهم مُعجَّلة.
قال أبو العتاهية: وَجَّه إليَّ المأمون يومًا فصِرْتُ إليه فألفيته مطرقًا متفكرًا مغموما، فأحجمت عن الدنو إليه وهو على تلك الحال، فرفع رأسه وأشار بيده أن ادْنُ، فدنوت، فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: يا إسماعيل، شأن النفس الملل، وحب الاستطراف، والأنس بالوحدة، كما نأنس بالألفة، قلت أجل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت شعر، قال: وما هو؟ قلت:-
لا يُصْلح النفس إذ كانت مصرفة ... إلا التنقُّلُ من حال الى حال
قال: أحسنت زدني، فقلت: لا أقدر على ذلك، وآنسته بقية يومه، وأمر لي بمال، فانصرفت.
المأمون ورجل عامي:
ويحكى أن المأمون أمر بعض خواصِّهِ من خدمه أن يخرج فلا يرى أحدًا في الطريق إلا أتى به كائنًا من كان من رفيع أو خسيس، فأتاه برجل من العامة، فدخل وعنده المعتصم أخوه ويحيى بن أكثم