نحصبه فدخل محمد بن عمير الدارمي في مواليه فلما رأى الحجاج جالسًا على المنبر لا يجنب ولا ينطق قال: لعن الله بني أمية حين يولون العراق مثل هذا، لقد ضيع الله العراق حيث يكون مثل هذا عليها، ثم ضرب بيده إلى حصباء المسجد ليحصبه، وقال: والله لو وجدوا أذَمّ من هذا لبعثوه إلينا، فلما هَمَّ أن يحصبه قال له بعض أهل بيته: أصلحك الله اكفف عن الرجل حتى نسمع ما يقول، فمن قائل يقول: حُصِرَ الرجل فما يقدر على الكلام، ومن قائل يقول: أعرابي ما أبصر حجته، فلما غَصَّ المسجد بأهله حسر اللثام عن وجهه ثم قام، ونحَّى العمامة عن رأسه، فو الله ما حمد الله ولا أثنى عليه، ولا صلى على نبيه، وكان أول ما بدأهم به أن قال:-
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
إني والله لأرى أبصارًا طامحة، وأعناقًا متطاولة، ورءُوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني أنا صاحبها، كأني أنظر إلى الدماء تَرَقْرَقُ بين العمائم واللحى:-
هذا أوان الحرب فاشتدَّي زِيَمْ ... قد لَفَّها الليل بسواق حُطَم
ليس بِرَاعي إبل ولا غنم ... ولا بجَزَّارٍ على ظهر وَضَمْ
وقال:-
قد لَفَّها الليل بعُصْلُبِيِّ ... أرْوَعَ خَرَّاج من الدَّوِّيِ
مهاجر ليس بأعرابي
وقال:-
قد شَمَّرَتْ عن ساقها فكدوا ... وجَدَّت الحرب بكم فجدوا
والقوسُ فيها وَتَرٌ عُرُدُّ ... مثل ذراع البكر أو أشد
إن أمير المؤمنين نثر كنانته، فوجدني أمَرَّها طعمًا وأحَدَّها سنانًا، وأقواها قداحا، فإن تستقيموا تستقم لكم الأمور، وإن تأخذوا لي بُنَيات