مني اضطرابًا، فسألني، فقلت: يا أمير المؤمنين، دخلت هذه الدار فرأيت رأس الحسين بين يدي ابن زياد في هذا الموضع، ثم دخلتها فرأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار فيه، ثم دخلتها فرأيت رأس المختار بين يدي مصعب ابن الزبير وهذا رأس مصعب بين يديك، فوقاك الله يا أمير المؤمنين! قال: فوثب عبد الملك بن مروان، وأمر بهدم الطاق الذي على المجلس، ذكر هذا الحديث عن الوليد بن خباب وغيره.
وسار عبد الملك من دير الجاثليق حتى نزل النخيلة بظهر الكوفة، فخرج اليه أهل الكوفة فبايعوه، ووفى الناس بما كان وعدهم به في مكاتبته إياهم سرًا وخلع، وأجاز، وأقطع، ورتب الناس على قدر مراتبهم، وعمهم ترغيبه، وترهيبه، وولى على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسد، وعلى الكوفة بشر بن مروان أخاه، وخلف معه جماعة من أهل الرأي والمشورة من أهل الشام منهم روح بن زنباع الجذامي، وبعث بالحجاج بن يوسف لحرب ابن الزبير بمكة، وسار في بقية اهل الشام الى دار ملكه دمشق.
روح بن زنباع وبشر بن مروان:
وكان بشر بن مروان اديبًا ظريفًا، يحب الشعر والسمر والسماع والمعاقرة، وقد كان أخوه عبد الملك قال له: إن روحا عمك الذي لا ينبغي أن تقطع امرًا دونه، لصدقه وعفافه ومناصحته ومحبته لنا أهل البيت، فاحتشم بشر منه، وقال لندمائه: أخاف إن انبسطنا أن يكتب روح الى أمير المؤمنين بذلك، وإني لأحبُّ من الأنس والاجتماع ما يحبه مثلي، فقال له بعض ندمائه من أهل العراق بحسن مساعدته ولطيف حيلته: أنا أكفيك أمره حتى ينصرف عنك الى أمير المؤمنين غير شاكٍ ولا لائم، فسر بشر، ووعده الجائزة وحسن المكافأة إن هو تأتى له ما وعد به، وكان روح شديد الغيرة، وكانت له جارية إذا خرج من منزله الى المسجد أو غيره ختم بابه حتى يعود بعد أن يقفله، فأخذ الفتى دواة