ففعل، فلما قدم عليه قال: غنني بشعر الفِندِ، فغناه فأجاد وأحسن، وقال: أعده، فأعاده فأجاد وأحسن وأطرب يزيد، فقال له: عمن أخذت هذا الغناء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أخذته عن أبي، وأخذه أبي عن أبيه، فقال: لو لم تَرِثْ إلا هذا الصوت لكان أبو لهب قد وَرَّثكم خيرًا كثيرًا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا لهب مات كافرًا مؤذيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أعلم ما تقول، ولكني دخلتني له رقة إذ كان مجيدًا للغناء، ووصله وكساه ورَدَّه إلى بلده مكرمًا.
وكتب في عهد عمر إلى يزيد: إذا أمكنتك القدرة بالعزة فاذكر قدرة الله عليك، وقيل: إن هذا الكلام كتب به عمر إلى بعض عماله، وفيه زيادة- على ما ذكره الزبير بن بكار- وهي: إذا أمكنتك القدرة من ظلم العباد فاذكر قدرة الله عليك بما تأتي إليهم، واعلم أنك لا تأتي إليهم أمرًا إلا كان زائلًا عنهم باقيًا عليك، وأن الله يأخذ للمظلوم من الظالم، ومهما ظلمت من أحد فلا تظلمنَّ من لا ينتصر عليك إلا باللَّه تعالى.
واعتلَّتْ حبابة فأقام يزيد أيامًا لا يظهر للناس، ثم ماتت، فأقام أيامًا لا يدفنها جزعًا عليها حتى جيفَتْ، فقيل: إن الناس يتحدثون بجزعك، وإن الخلافة تجلُّ عن ذلك، فدفنها وأقام على قبرها فقال:-
فإن تسلُ عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو النفسُ لا بالتجلد
ثم أقام بعدها أيامًا قلائل ومات.
حدث أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلي عن أبي الحويرث الثقفي قال: لما ماتت حَبابة حزن عليها يزيد بن عبد الملك