المعتصم يشنأه لحال كانت بينهما، فمكن في نفس المأمون انه شانئ له ولدولته، ماقِتٌ لأيامه، فلما كان في تلك الليلة لحق العباس بالمأمون على الجسر فقال له المأمون: ما زلت تنتظرها حتى وقعت، فقال: أعيذك باللَّه يا أمير المؤمنين، ولكني ذكرت قول الله عز وجل (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) فحسن موقع ذلك منه، ولم يزل يسايره حتى بلغ المطبق، فلما قتل ابن عائشة قال: يأذن أمير المؤمنين في الكلام؟ قال: تكلم، قال: الله الله في الدماء، فإن الملك إذا ضَرَى بها لم يصبر عنها، ولم يُبْقِ على أحد، قال: لو سمعت هذا الكلام منك قبل أن أركب ما ركبت ولا سفكت دمًا، وأمر له بثلاثمائة ألف درهم.
وقد أتينا على خبر ابن عائشة هذا وما أراد من الإيقاع بالمأمون، وما كان من أمره في كتابنا في «أخبار الزمان» .
وفي سنة إحدى عشرة ومائتين مات أبو عبيدة معمر بن المثنى بالبصرة، وكان يرى رأي الخوارج، وبلغ نحوًا من مائة سنة، ولم يحضر جنازته أحد من الناس، حتى اكترى لها من يحملها، ولم يكن يسلم عليه شريف ولا وضيع إلا تكلم فيه، وله مصنفات حسان في أيام العرب وغيرها: منها كتاب المثالب، ويذكر فيه أنساب العرب وفسادها، ويرميهم بما يُسيء الناسَ ذِكْرُه، ولا يحسن وصفه، وكان أبو نُوَاسٍ الحسن بن هاني كثير البعث به، وكان أبو عبيدة يقعد في مسجد البصرة إلى سارية من سَوَاريه، فكتب أبو نواس عليها في غيبته عنها بهذين البيتين يُعَرِّضُ به:
صلى الإلهُ على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل باللَّه آمينا
وأنت عندي بلا شك بقيتُهُمْ ... مذ احتلمت، وقد جاوزت تسعينا