والنجدة والعز وشن الغارات لما ذكرنا من امر الفَرَسِ، وإياد وقد ذكرنا ما لحق عقبه، وأنمار وقد بينا الخلاف في تفرع نسله وما قاله النسابون في عقبه.
ولكل واحد من هؤلاء ومن أعقب أخبار كثيرة يطول ذكرها، ويتسع شرحها: من ذكر ما حلوا به من الديار، وتشعب أنسابهم وتسلسلها، قد أتى الناس على ذكرها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا اليسير من مبسوطها، فمنعنا ذلك من إعادته في هذا الكتاب.
فلنذكر الآن الغرض من هذا الباب الذي به ترجم، وإليه نسب، من سكنى من حل البَدْو من العرب وغيرها من الأمم المتوحشة كالترك والكرد والبِجَةِ والبربر، ومن تقطن بالبراري وقَطَنَ الجبال، والعلة الموجبة لذلك من فعلهم.
تباين الناس في السبب الموجب لما وصفنا، فذهب كثير من الناس الى أن الجيل الاول ممن سكنوا الارض مكثوا حينًا من الزمان لم يبنوا بناء، ولا شيدوا مدنًا، وكان سكناهم في شبه الأكواخ والمظال، ثم إن نفرًا منها أخذوا في ابتناء المساكن، وخَلف من بعدهم خلف فابتنوا الأبنية، وثبتت فرقة منهم على سجيتها الأولى في البيوت والاظلال ينتجعون الأماكن الرفهة الخصبة، ويتنقلون عنها إذا أجدبت، فمضت هذه الطائفة على نهج الأقدمين. وذكرت طائفة ان أول ذلك، ان الناس لما نضَب عنهم الطوفان، الذي أهلك الله به الارض في زمن نوح على نبينا وعليه السلام، تفرق من نجا في طلب البقاع الخصبة المتخيرة، وانفرد من انفرد بانتجاع الارضين وحلول البيداء، واستوطن آخرون بقاعًا تخيروها، كمن ابتنى إقليم بابل من النبط، ومن حله من ولد حام بن نوح عليه السلام مع نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن