ورتب في هذه القلعة رجالا يمنعون اللان عن الوصول الى جبل القبخ، ولا طريق لهم إلا على هذه القنطرة من تحت هذه القلعة، والقلعة على صخرة صماء لا سبيل إلى فتحها والوصول إليها إلا بإذن من فيها، ولهذه القلعة المبنية على أعلى هذه الصخرة، عين من الماء عذبة تظهر في وسطها من أعلى هذه الصخرة، وهذه القلعة إحدى قلاع العالم الموصوفة بالمنعة، وقد ذكرتها الفرس في أشعارها، وما كان لإسبنديار ابن يستأسف في بنائها، ولاسبنديار في الشرق حروب كثيرة مع أصناف من الأمم، وهو السائر الى بلاد الترك، فخرب مدينة الصفر، وكانت من المنعة بالموضع العظيم الذي لا يُرام، وبها تضرب الفرس الأمثال، وما كان من أفعال إسبنديار وما وصفنا فمذكور في الكتاب المعروف بكتاب البنكش، نقله ابن المقفع الى لسان العرب، وقد كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان حين وصل إلى هذا الصقع ووطيء أهله أسكن في هذه القلعة أناسًا من العرب الى هذه الغاية يحرسون هذا الموضع، وربما يحمل اليهم الرزق وأقوات من البر من ثغر تفليس، وبين تفليس وهذه القلعة مسيرة خمسة أيام، ولو كان رجل واحد في هذه القلعة لمنع سائر الملوك الكفار أن يجتازوا بهذا الموضع، لتعلقها بالجو وإشرافها على الطريق والقنطرة والوادي، وصاحب اللان يركب في ثلاثين ألف فارس، وهو ذو مَنَعَة وبأس شديد وذو سياسة بين الملوك، ومملكته عمائرها متصلة غير منفصلة، إذا تصايحت الديوك تجاوبت في سائر مملكته لاشتباك العمائر واتصالها.
ثم يلي مملكة اللان أمة يقال لها كشك، وهم بين جبل القبخ وبحر الروم، وهي أمة مطيعة نظيفة منقادة إلى دين المجوسية، وليس فيمن ذكرنا من الأمم في هذا الصقع أنقى أبشارًا،