كتابًا في أخلاق العوام يصف فيه أخلاقهم وشيمهم ومخاطباتهم، وسماه بالمُلهِي، ولو لا أني أكره التطويل والخروج عما قصدنا إليه في هذا الكتاب من الإيجاز لشرحت من نوادر العامة وأخلاقها، وظرائف أفعالها عجائبَ، ولذكرت مراتب الناس في أخلاقهم، وتصرفهم في أحوالهم.
فلنرجع الآن إلى أخبار معاوية وسياسته، وما أوسع الناس من أخلاقه، وما أفاض عليهم من بره وعطائه، وشملهم من إحسانه: مما اجتذب به القلوب، واستدعى به النفوس، حتى آثروه على الأهل والقرابات.
من ذلك أنه وفد عليه عَقِيلُ ابن أبي طالب منتجعًا وزائرًا، فرحَّبَ به معاوية، وسرَّ بوروده، لاختياره إياه على أخيه، وأوسعه حلمًا واحتمالا، فقال له: يا أبا يزيد، كيف تركت عليًّا؟ فقال: تركته على ما يحبُّ الله ورسوله وألفيتك على ما يكره الله ورسوله، فقال له معاوية: لو لا أنك زائر منتجع جنابَنَا لرددت عليك أبا يزيد جوابًا تألم منه، ثم أحَبَّ معاوية أن يقطع كلامه مخافة أن يأتي بشيء يخفضه، فوثب عن مجلسه، وأمر له بنزل، وحمل إليه مالًا عظيمًا، فلما كان من غد جلس وأرسل إليه فأتاه، فقال له: يا أبا يزيد، كيف تركت عليًّا أخاك؟ قال: تركته خيرًا لنفسه منك، وأنت خير لي منه، فقال له معاوية: أنت والله كما قال الشاعر:-
وإذا عددت فخار آل محرق ... فالمجد منهم في بني عَتَّاب
فمحل المجد من بني هاشم مَنُوطٌ فيك يا أبا يزيد ما تغيرك الأيام والليالي، فقيل عقيل:-
اصبر لحرب أنت جانبها ... لا بد أن تصلى بحاميها