البارَّ بالفاجر، والمؤمن بالكافر، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم حيث يقول: «الناس اثنان: عالم، ومتعلم، وما عدا ذلك هَمَجٌ رعاع لا يعبأ الله بهم» وكذلك ذكر عن علي وقد سئل عن العامة فقال: همج رَعَاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وأجمع الناس في تسميتهم على أنهم غَوْغَاء، وهم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا، ثم تدبر تفرقهم في أحوالهم ومذاهبهم، فانظر إلى إجماع مَلَئِهِمْ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام يدعو الخلق إلى الله اثنتين وعشرين سنة وهو ينزل عليه الوحي ويمليه على أصحابه فيكتبونه ويدونونه ويلتقطونه لفظة لفظة، وكان معاوية في هذه المدة بحيث علم الله، ثم كتب له صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهور، فأشادوا بذكره، ورفعوا من منزلته: بأن جعلوه كاتبًا للوحي، وعَظَّموه بهذه الكلمة، وأضافوه إليها، وسلبوها عن غيره، وأسقطوا ذكر سواه، وأصل ذلك العادة والإلْفُ، وما ولدوا عليه، وما نشئوا فيه، فألفوا وقت التحصيل والبلوغ، وقد عملت العادة عملها، وبلغت مبالغها، وفي العادة قالت الشعراء وتكلم أهل الدراية والأدباء، قال الشاعر:-
لا تُهنّي بعد إذ أكرمتني ... فشديدٌ عادةٌ منتزعه
وقال آخر معاتبًا لصاحبه:-
ولكنْ فِطَامُ النفس أثقَلُ محملًا ... من الصخرة الصماء حين ترومها
وقد قالت حكماء العرب: العادة أملك بالأرب، وقالت حكماء العجم: العادة هي الطبيعة الثانية، وقد صنف أبو عقال الكاتب