التوابع، فلما تم فصاله أخذت مرقدي ليلة ومحمد أمامي في مهده، إذ بهن قد وقفن على رأسي وأقبلن على ولدي محمد، فقالت إحداهن: ملك جبار، متلاف مهذار، بعيد الآثار، سريع العثار، ثم قالت الثانية: ناطق مخصوم، ومحارب مهزوم، وراغب محروم، وشقي مهموم، وقالت الثالثة:
احفروا قبره، ثم شقوا لحده، وقدموا أكفانه، وأعدوا جهازه فان موته خير من حياته، قالت: فاستيقظت وأنا مضطربة وَجِلة، وسألت مفسري الأحلام والمنجمين، فكل يخبرني بسعادته وحياته وطول عمره، وقلبي يأبى ذلك، ثم زجرت نفسي وقلت: وهل يدفع الإشفاق والحذر والاحتراز واقع القدر، أو يقدر أحد أن يدفع عن أحبابه الأجل؟
وفي سنة ثلاث وتسعين ومائة مات أبو بكر بن عياش الكوفي الأسدي وهو ابن ثمان وتسعين سنة، بعد موت الرشيد بثماني عشرة ليلة.
عزم الامين على خلع أخيه:
ولما هم محمد بخلع المأمون شاور عبد الله بن حازم، فقال له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تكون أول الخلفاء نكث عهده، ونقض ميثاقه، واستخف بيمينه، فقال: اسكت أسكَتَ الله فاك، فعبد الملك بن صالح كان أفضل منك رأيًا حيث يقول: لا يجتمع فحلان في هجمة، وجمع القواد وشاورهم فأتبعوه في مراده الى أن بلغ الى هرثمة بن حازم فقال: يا أمير المؤمنين، لن ينصحك من كذبك: ولن يغشك من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فان الغادر مخذول، والناكث مغلول، ودخل علي بن عيسى بن ماهان، فتبسم محمد وقال: لكن شيخ هذه الدعوة، وباب هذه الدولة، لا يخالف إمامه، ولا يوهن طاعته، ثم رفعه الى موضع ما رفعه اليه فيما مضى، فكان علي بن عيسى أول من أجاب الى خلع المأمون،