رأى غير ذلك، فأتاه جبريل فعلَّمه دينه، واصطفاه الله نبيًا وخليلًا. وكان قد أوتي رُشْدَه من قبل، ومن أوتي رشده فقد عصم من الخطأ والزلل وعبادة غير الواحد الصمد، فعاب إبراهيم عليه السلام على قومه ما رأى من عبادتهم واتخاذهم المجوفات آلهة لهم، فلما كثر عليهم ذم إبراهيم لآلهتم، واستفاض ذلك فيهم اتخذ النمروذ النار وألقاه فيها، فجعلها الله بَرْدًا وسلامًا، وخمدت النار في سائر بقاع الأرض في ذلك اليوم.
وولد لإبراهيم إسماعيل عليهما السلام، وذلك بعد أن مضى من عمره ست وثمانون سنة أو سبع وثمانون سنة وقيل: تسعون سنة، من هاجَرَ جارية كانت لسَارَةَ، وكانت سَارَةُ أول من آمن بإبراهيم عليه السلام، وهي ابنة بتوايل بن ناحور، وهي ابنة عم إبراهيم، وقد قيل غير هذا مما سنورده بعد هذا الموضع، وآمن به لوط بن هاران بن تارح بن ناحور، وهو ابن أخي إبراهيم عليه السلام.
أصحاب المؤتفكة:
وأرسل الله لوطًا إلى المدائن الخمس، وهي: سدوم، وعمورا، وأدموتا، وصاعورا، وصابورا، وإن قوم لوط هم أصحاب المؤتفكة، وهذا الاسم مشتق من الإفك، وهو الكذب على رأي من ذهب إلى الاشتقاق، وقد ذكرهم الله في كتابه بقوله: والمؤتفكة أهوى وهذه بلاد بين تُخُوم الشام والحجاز مما يلي الأردن وبلاد فلسطين، إلا أن ذلك في حيز الشام، وهي مُبَقّاة إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة خرابًا لا أحد بها والحجارة المُسَوَّمة موجودة فيها يراها الناس السُّفَّار سَوْدَاء بَرَّاقَةَ، فأقام فيهم لوط بضعًا وعشرين سنة يدعوهم إلى الله فلم يؤمنوا، فأخذهم العذاب على حسب ما أخبر الله من شأنهم.