الشام في أيام بني امية وأنت متوجه الى مروان، فسلّم عليّ وتنفس وأنشأ يقول:-
آمت نساء بني أمية منهم ... وبناتهم بمضيعة ايتام
نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود نيام
خلت المنابر والأسرّة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
فقلت له: كم كان مروان أعطاك؟ فقال: أغناني فلا أسأل احدًا بعده، فقلت: كم؟ فقال: اربعة آلاف دينار وخلع وحملان، قلت: وأين ذاك؟ قال: بالبصرة، قلت: اتثبتني معرفة؟ فقال: اما معرفة الصحبة فقد لعمري، وأما معرفة النسب فلا، فقتل: انا ابو جعفر المنصور امير المؤمنين، فوقع عليه الإفكل، وقال: يا أمير المؤمنين اعذر، فإن ابن عمك محمدًا صلى الله عليه وسلم قال: «جبلت النفوس على حب من احسن إليها، وبغض من أساء إليها» ، قال أبو جعفر: فهممت والله به، ثم تذكرت الحرمة والصحبة، فقلت للمسيب: اطلقه فأطلق ثم بدا لي في مسامرته رأي، فأمرت بطلبه فكأن البيداء أبادته.
وحدث الربيع قال: اجتمع عند المنصور عيسى بن علي، وعيسى بن موسى، ومحمد بن علي، وصالح بن علي، وقثم بن العباس، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن ابراهيم، فذكروا خلفاء بني امية، وسيرهم وتدبيرهم، والسبب الذي به سُلِبوا عزهم، فقال المنصور:
أما عبد الملك فكان جبارًا لا يبالي ما صنع، وأما سليمان فكانت همته بطنه وفرجه، وأما عمر بن عبد العزيز فكان اعور بين عميان، وكان رجل القوم هشام، ولم تزل بنو امية ضابطين لما مُهِّد لهم من السلطان يحوطونه ويحفظونه، ويصونون ما وهب الله لهم منه مع كسبهم معالي الأمور ورفضهم أدانيها، حتى افضى الأمر الى أبنائهم المترفين، فكانت همتهم قصد الشهوات، وركوب اللذات، من معاصي الله عز وجل، جهلًا منهم باستدراجه، وأمنًا منهم