لمكره، مع اطراحهم صيانة الخلافة، واستخفافهم بحق الله تعالى وحق الرياسة، وضعفهم عن السياسة، فسلبهم الله العز، وألبسهم الذل، ونفى عنهم النعمة، فقال صالح بن علي: يا أمير المؤمنين، ان عبد الله بن مروان لما دخل ارض النوبة هاربًا فيمن اتبعه سأل ملك النوبة عن حالهم وهيئتهم وما نزل بهم، وكيف كانت سيرتهم، فأخبره بجميع ذلك، فركب الى عبد الله ليسأله عن شيء من أمورهم، والسبب الذي به زالت النعمة عنهم، وكلمه بكلام سقط عني حفظه، ثم اشخصه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين ان يدعو به ليحدثه عن أمره فعل، فأمر المنصور بإحضاره في مجلسه، فلما مثل بين يديه قال له: يا عبد الله قص عليّ قصتك وقصة ملك النوبة، قال يا أمير المؤمنين، قدمت إلى النُّوبَةِ، فأقمت بها ثلاثًا، فأتاني ملكها، فقعد على الارض وقد أعددت له فراشًا له قيمة فقلت له: ما منعك من القعود على فراشنا؟ فقال: لأني ملك، وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله عز وجل إذ رفعه الله، ثم قال: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا، قال: فلم تطئون الزرع بدوابكم والفسادُ محرم عليكم في كتابكم؟ فقلت: فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا لجهلهم، قال: فلم تلبسون الديباج والحرير الذهب وهو محرم عليكم في كتابكم ودينكم؟ فقلت: ذهب منا الملك فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا، فأطرق إلى الارض يقلب يده مرة وينكت في الأرض أخرى، ويقول: عبيدنا واتباعنا وأعاجم دخلوا علينا في ديننا، ثم رفع رأسه فقال: ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله، وركبتم ما عنه نُهِيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، وللَّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم، وإنما حق الضيافة ثلاث، فتزوَّدْ ما احتجْتَ إليه وارحل عن أرضي ففعلت،