ألف مشعل غير ما اسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر النيل في تلك الليلة مئو آلاف من الناس من المسلمين والنصارى، منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط، لا يتناكرون الحضور، ويُحضِرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجواهر والملاهي والعزف والقصف، وهي احسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سرورًا، ولا تغلق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ للداء.
قال المسعودي: وأما المقاييس الموضوعة بمصر لمعرفة زيادة النيل ونقصانه فاني سمعت جماعة من اهل الخبرة يخبرون أن يوسف النبي صلى الله عليه وسلم، حين بنى الاهرام، اتخذ مقياسًا لمعرفة زيادة النيل ونقصانه، وأن ذلك كان بمنف، ولم يكن الفسطاط يومئذ، وأن دلوكة الملكة العجوز وضعت مقياسًا بأقصى الصعيد، ووضعت أيضًا مقياسًا آخر ببلاد إخميم، فهذه المقاييس الموضوعة قبل مجيء الإسلام، ثم ورد الاسلام، وافتتحت مصر، وكانوا يعرفون زيادة النيل بما ذكرنا ونقصانه بما وصفنا، إلى أن ولي عبد العزيز بن مروان، فاتخذ مقياسًا بحلوان، وهو صغير الذراع، وحلوان فوق الفسطاط، ثم اتخذ أسامة بن زيد التنوخي مقياسًا بالجزيرة التي تدعى جزيرة الصناعة، وهي الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة، والمعْبَر عليها من الفسطاط على الجسر، ثم منها على جسر آخر إلى الجيزة، وهو الجانب الغربي، لأن الفسطاط من الجانب الشرقي، وهذا المقياس الذي اتخذه أسامة بن زيد التنوخي هو أكثرها استعمالًا،