واتخذ ذلك في أيام سليمان بن عبد الملك بن مروان، وهو المقياس الذي يعمل عليه في وقتنا هذا- وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة- بالفسطاط، وقد كان من سلف يقيسون بالمقياس الذي بمنف، ثم ترك استعماله، وعمل على مقياس الجزيرة المعمول في أيام سليمان بن عبد الملك، وفي هذه الجزيرة مقياس آخر لأحمد بن طولون، والعمل عليه عند كثرة الماء، وترادف الرياح، واختلاف مهابها، وكثرة الموج، وقد كانت أرض مصر كلها تروى من ست عشرة ذراعًا عامرها وغامرها، لما أحكموا من جسورها، وبناء قناطرها، وتنقية خلجانها، وكان بمصر سبع خلجانات: فمنها خليج الاسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج سردوس، وخليج المنهى.
وكانت مصر فيما يذكر أهل الخبرة أكثر البلاد جنانا، وذلك أن جنانها كانت متصلة بحافتي النيل من أوله إلى آخره، من حد أسوان إلى رشيد، وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسعة أذرع دخل خليج المنهى وخليج الفيوم وخليج سردوس وخليج سخا، وكان الذي ولي حفر خليج سردوس لفرعون عدو الله هامان، فلما ابتدأ في حفره أتاه أهل القرى يسألونه أن يُجْري الخليج إلى تحت قراهم، ويعطوه على ذلك ما أراد من المال، وكان يعمل ذلك حتى اجتمعت له أموال عظيمة، فحمل تلك الأموال إلى فرعون، فلما وضعها بين يديه سأله عنها فأخبره بما فعل، فقال فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده، ويفيض عليهم معروفه، ولا يرغب فيما في أيديهم، ونحن أحق من فعل هذا بعبيده، فاردد على أهل كل قرية ما أخذته منهم، ففعل ذلك هامان، ورد على أهل