بلد للمسلمين مما خربت النصرانية ويرده كما كان، وترجع عن غَزَاتِكَ، فقام المأمون ودخل خيمة، فصلى ركعتين، واستخار الله عز وجل وخرج، فقال للرسول: قل له، أما قولك تردُّ علي نفقتي، فاني سمعت الله تعالى يقول في كتابنا، حاكيًا عن بلقيس: (و إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) ، فلما جاء سليمان قال: أتمدونني بمال؟ فما آتاني الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون وأما قولك: إنك تخرج كل أسير من المسلمين في بلد الروم، فما في يدك إلا أحد رجلين: إما رجل طلب الله عز وجل والدار الآخرة، فقد صار إلى ما أراد، وإما رجل يطلب الدنيا، فلا فَكَّ الله أسْرَهُ، وأما قولك: إنك تعمر كل بلد للمسلمين قد خربته الروم، فلو أني قلعت أقصى حجر في بلاد الروم ما اعتضت بامرأة عثرت عثرة في حال أسرها، فقالت: وا محمداه وا محمداه، عُدْ إلى صاحبك، فليس بيني وبينه إلا السيف، يا غلام اضرب الطبل، فرحل، فلم ينثن عن غَزَاتِهِ، حتى فتح خمسة عشر حصنًا، وانصرف من غزاته، فنزل على عين البديدون، المعروفة بالقشيرة على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، فأقام هنالك حتى ترجع رُسُله من الحصون، فوقف على العين ومنبع الماء، فأعجبه بَرْدُ مائها وصفاؤه وبياضه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال وأمر به فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالأزج من الخشب طوال وأمر به فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالأزج من الخشب وورق الشجر، وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له والماء تحته، وطرح في الماء درهم صحيح فقرأ كتابته وهو في قرار الماء لصفاء الماء، ولم يقدر أحد يدخل يده في الماء من شدة بَرْده.
فبينا هو كذلك إذا لاحت سمكة نحو الذراع كأنها سبيكة فضة، فجعل لمن يخرجها سَبْقًا، فبدر بعض الفراشين فأخذها وصعد، فلما صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون اضطربت وأفلتت من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر، فنضح