فهرس الكتاب

الصفحة 1249 من 1697

داعية المنع، ولا يسنح به نازعُ العذل.

وقال الرابع- وهو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الإمامية في وقته وكبير الصنعة في عصره-: أيها الوزير، العشق حِبَالةٌ نصبها الدهر فلا يصيد بها إلا أهل التخالص في النوائب، فإذا عَلِقَ المحب في شبكتها ونشب في أثنائها فأبعد به أن يقوم سليما أو يتخلص وشيكا، ولا يكون إلا من اعتدال الصورة، وتكافؤ في الطريقة، وملاءمة في الهمة، له مقتل في صميم الكبد ومهجة القلب، يعقد اللسان الفصيح ويترك المالك مملوكًا والسيد خَوَلا حتى يخضع لعبد عبده.

وقال النظَّام إبراهيم بن يَسار المعتزلي وكان من نظار البصريين في عصره: أيها الوزير العشق أرق من السراب وأدبُّ من الشراب، وهو من طينة عَطِرة عجنت في إناء الجلالة، حلو المجتنى ما اقتصد، فإذا أفرط عاد خبلًا قاتلًا، وفسادًا معضلًا، لا يطمع في إصلاحه، له سحابة غزيرة تهمي على القلوب، فتعْشِب شعفًا، وتثمر كلفًا، وصريعهُ دائم اللوعة، ضيق المتنفس، مُشارف الزمن، طويل الفكر، إذا أجنحه الليل أرق، وإذا أوضحه النهار قلق، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى.

ثم قال السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر ومن يليهم، حتى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة ومعان تتقارب وتتناسب، وفيما مر دليل عليه.

العشق وعلة وقوعه:

قال المسعودي، تنازع الناس ممن تقدم وتأخر في ابتداء وقوع الهوى وكيفيته، وهل ذلك من نظر وسماع، واختيار واضطرار، وما علة وقوعه بعد أن لم يكن، وزواله بعد كونه؟ وهل ذلك فعل النفس الناطقة أو الجسم وطباعه؟ فقال بقراط: هو امتزاج النفسين، كما لو امتزج الماء بماء مثله عسر تخليصه بحيلة من الاحتيال، والنفس ألطف من الماء، وأرقُّ مسلكًا، فمن أجل ذلك لا تزيله الليالي، ولا تخلقه الدهور ولا يدفعه دافع دق عن الأوهام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت