والله يا أمير المؤمنين سرور العشب بالغيث، والمرأة النزور بالولد، والمريض المدنف بالبرء، لأنه نسيج وحده، وحامي مجده، وشبيه جده، قال: فما تقول في عبد الله؟ قال: مرعى ولا كالسعدان، فتبسم الرشيد وقال: قاتله الله! من اعرابي ما اعرفه بمواضع الرغبة، أما والله اني لأتعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعز نفس الهادي، والله لو شاء الله ان انسبه الى الرابعة لنسبته إليها.
قال الأصمعي: بينما انا أسامر الرشيد ذات ليلة إذ رأيته قد قلق قلقًا شديدًا فكان يقعد مرة ويضطجع مرة ويبكي أخرى ثم أنشأ يقول:-
قلد امور عباد الله ذا ثقة ... مُوَحَّدَ الرأي لا نكس ولا برم
واترك مقالة اقوام ذوي خطل ... لا يفهمون إذا ما معشر فهموا
فلما سمعت منه ذلك علمت أنه يريد امرًا عظيمًا، ثم قال لمسرور الخادم:
علي بيحيى، فما لبث ان أتاه، فقال: يا أبا الفضل، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في غير وصية والإسلام جذع، والايمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة، قد آمنها الله تعالى بعد الخوف، وأعزها بعد الذل، فما لبث أن ارتدَّ عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره ما قد علمت، وإن أبا بكر صَيَّر الأمر الى عمر، فسلَّمت الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيرها عمر شُورى، فكان بعده ما قد بلغك من الفتن حتى صارت الى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد وتصييره الى من أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وآمن ضعفه ووهنه، وهو عبد الله، وبنو هاشم مائلون الى محمد بأهوائهم، وما فيه من الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوته يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، وعبد الله المرضي