وقد قال بعض اهل المعرفة والأدب من مصنفي الكتب في هذا المعنى وغيره مما حكيناه عن معاوية وابن شجرة: لئن كان ابن شجرة خدَعَ معاوية في هذا ومعاوية ممن لا يخادع فما مثله إلا كما قال الأول:
من يَنِكِ العير ينك نياكا
وإن كان قد بلغ من بلادة ابن شجرة، وقلة حسه، ما وصف به نفسه فما كان جديرًا بخمسمائة ألف درهم صِلَةً، وزيادة ألف في عطائه، وما أظن ذلك خفي عن معاوية.
حسن الاستماع:
قال المسعودي: وقد قالت الحكماء في هذا وأكثرت، وأمرت بحسن الاستماع والصمت وأطنبت، فقالوا: لا تحسن المحادثة إلا يحسن الفهم، وقالوا: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، وحسن الاستماع هو إمهال المحدث حتى ينقضي حديثه.
من أدب الحديث:
ومن أدب الحديث وواجباته: أنْ لا يقتضب اقتضابًا، ولا يهجم عليه، وأن يتوصل الى إجرائه بما يشاكله، وأن يستنسب له ما يحسن أن يجري في عرضه حتى يكون بعض المفاوضة متعلقًا ببعض، على حسب ما قالوا في المثل: إن الحديث ذو شجون، يريدون بذلك تشعبه وتفرعه عن أصل واحد الى وجوه من المعاني كثيرة، إذ كان العيش كله في الجليس الممتع، وقال رجل: والله ما أمل الحديث، فقال السامع: إنما يمل العتيق لا الحديث.
وقد أكثرت الشعراء من الإغراق في هذا المعنى، ومن ذلك قول علي بن العباس الرومي:-
وسئمت كلَّ مآربي ... فكأنَّ أطيبها غَثيثُ
إلا الحديث فإنه ... مثلُ اسمه ابدًا حديث