أخرج إليَّ البدرتين، فحمدت الله تعالى على ما حباه لي، ووجهت في وقتي الى صاحب الضيعة فوفيته الثمن، وتشاغلت سائر يومي بتسليمها والإشهاد بها على البائع، ثم بكرت الى المنتصر من الغد، فما أعاد علي حرفا، ولا سألني عن شيء، من خبر الضيعة حتى فرق الموت بيننا.
قال المسعودي: وذكر الفضل بن أبي طاهر في كتابه في أخبار المؤلفين قال: حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد الصغير مولى أمير المؤمنين، قال: كان المنتصر في أيام إمارته ينادمه جماعة من أصحابه، وفيهم صالح بن محمد المعروف بالحريري، فجرى في مجلسه ذات يوم ذكر الحب والعشق، فقال المنتصر لبعض من في المجلس: أخبرني عن أي شيء أعظم عند النفس فَقْدًا، وهي به أشد تفجعًا؟ قال: فقدُ خِلِّ مُشاكل، وموت شكل موافق، وقال آخر ممن حضر: ما أشد جولة الرأي عند أهل الهوى! وفِطام النفس عند الصبا، وقد تصدعت أخبار العاشقين من لوم العاذلين، فلوم العاذلين قُرْطٌ في آذانهم، ولوعات الحب نيران في أبدانهم، مع دموع المعاني، كغروب السَّواني، وإنما يعرف ما أقول، من أبكته المغاني والطلول، وقال آخر: مسكين العاشق، كل شيء عدوه: هبوب الرياح يقلقه، ولمعان البرق يؤرقه، والعذل يؤلمه، والبعد ينحله، والذكر يسقمه، والقرب يهيجه، والليل يضاعف بلاءه، والرقاد يَهْرُب منه، ورسوم الدار تحرقه، والوقوف على الطلول يبكيه، ولقد تداوت منه العشاق بالقرب والبعد، فما نجع فيه دواء، ولا هداه عزاء، ولقد أحسن الذي يقول:-
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يملُّ، وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يُشْفَ ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
فكل قال، وأكثر الخطب في ذلك، فقال المنتصر لصالح بن محمد الحريري: يا صالح، هل عشقت قط؟ قال: إي والله أيها الأمير، وإن