الأشتر: قد كنت أخبرتك يا أمير المؤمنين بعداوته وغشه، ولو بعثتني لكنت خيرًا من هذا الذي أرخى خناقه وأقام حتى لم يدع بابًا نرجو روحه إلا فتحه، ولا بابًا يخاف منه إلا أغلقه، فقال جرير: لو كنت ثمَّ لقتلوك، والله لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان، قال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يعيني جوابهم، ولا ثقل علي خطابهم ولحملت معاوية على خطة أعجلته فيها عن الفكر، ولو طاعني أمير المؤمنين فيك لحبسك وأشباهك في محبس فلا تخرجون منه حتى يستقيم هذا الأمر.
فخرج جرير عند ذلك إلى بلاد قرقيسيا والرحبة من شاطئ الفرات، وكتب إلى معاوية يعلمه بما نزل به، وأنه أحَبَّ مجاورته والمقام في داره، فكتب إليه معاوية يأمره بالمسير إليه.
وبعث معاوية إلى المغيرة بن شعبة الثقفي عند مُنْصَرَف علي من الجمل، وقبل مسيره إلى صِفِّينَ- بكتاب يقول فيه: لقد ظهر من رأي ابن أبي طالب ما كان تقدم من وَعده لك في طلحة والزبير، فما الذي بقي من رأيه فينا؟ وذلك أن المغيرة بن شعبة لما قتل عثمان وبايع الناس عليًا دخل عليه المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة، فقال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك ما أنت فيه فاستعمل طلحة بن عبيد الله على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث إلى معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، قال: أما طلحة والزبير فسأرى رأيي فيهما، وأما معاوية فلا والله لا يراني الله أستعين به ما دام على حاله أبدًا، ولكني أدعوه إلى ما عرفته، فإن أجاب وإلا حاكمته إلى الله، فانصرف المغيرة مغضبًا وقال: