لسان نبي او خليفة، وهذه كرامة خُصصْتُ بها فمال إليها ذهني، وشغل بها فكري، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها، ولا وجمت لها، الا بما يلزمني من نفسي لأمير المؤمنين أعزه الله تعالى، فقال له السفاح: لئن بقيت لك لأرفعنَّ منك وضيعًا لا تطيف به السباع، ولا ينحط عليه العقاب.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب وصية عبد الملك للشعبي في فضل الإنصات للملوك.
وقد حكي عن عبد الله بن عياش المنتوف أنه قال: لم تتقرب العامة الى الملوك بمثل الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع.
وقد حكي عن روح بن زنباع الجذامي انه كان يقول: إذا أردت ان يمكنك الملك من اذنه فأمكن اذنك من الإصغاء الى حديثه، ولا يتعتب الرجل عندي إذا كان يصغي الى حديثه، ولا يقدح ما قيل فيه في قلبي لما تقدم له من حسن الاستماع عندي.
وقد حكي عن معاوية أنه كان يقول: يُغلَب الملك حتى يُرْكَب لشيئين: بالحلم عند سورته، والإصغاء الى حديثه.
ووجدت في سير الملوك من الأعاجم أن شيرَويهِ بن أبرويز بينا هو في بعض متنزهاته بأرض العراق، وكان لا يسايره أحد من الناس مبتدئًا، وأهل المراتب العالية خلف ظهره على مراتبهم، فإن التفت يمينًا دنا منه صاحب الجيش، وإن التفت شمالًا دنا منه الموبذان، فأمر من دنا منهما بإحضار من أراد مسامرته، فالتفت في مسيره هذا يمينًا، فدنا منه صاحب الجيش، فقال: أين شداد بن جرثمة؟ فأحضر، فسايره فقال له شيرويه: أفكَرْتُ في حديث جدنا أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر، فحدثْني به ان كنت تحفظه، وكان شداد قد سمع هذا الحديث من أنو شروان، وعرف المكيدة، وكيف كان أردشير أوقعها بملك الخزر، فاستعجم عليه شداد، وأوهمه أنه