في شهادته، وإذا اصطلح الرجلان لم يقبل شهادة واحد منهما لصاحبه ولا عليه، ويقول: إن الضغينة القديمة تولد العداوة المُمِضَّة، وتحمل على إظهار المسالمة، وتحتها الأفعى التي إذا تمكنت لم تُبقِ.
وكان في أول أيامه يَظهر لندمائه، ثم احتجب عنهم، وذلك لسنة خلت من ملكه، لأمر قد ذكرناه فيما سلف من كتبنا، وكان قعوده من وراء الستارة، على حسب ما ذكرناه فيما سلف من هذا الكتاب في سيرة أردشير ابن بابك وأيامه.
وكان يطرب من وراء الستر، على حسب ما ذكرنا، ويصيحُ بالمطرب له من المغنين: أحسنت والله، أعدْ هذا الصوت.
وكان لا ينصرف عنه أحد من ندمائه ولا من مطربيه الا بصلة من مال أو كسوة، ويقول: لا يكون سرورنا معجلا، ومكافأة من سرنا وأطربنا مؤجلا، وقد سبقه الى هذا الفعل ملك من الملوك التي للفرس، وهو بَهْرام جور.
وحضره أبو بكر الهذلي ذات يوم، والسفاح مقبل عليه يحادثه بحديث لأنوشروان في بعض حروبه بالمشرق مع بعض ملوك الأمم، فعصفت الريح فأذْرتْ ترابًا وقطعًا من الآجر من أعلى السطح الى المجلس، فجزع من حضر المجلس لوقوع ذلك، وارتاع له، والهذلي شاخص نحو أبي العباس لم يتغير كما تغير غيره، فقال له أبو العباس: للَّه أنت يا أبا بكر، لم أر كاليوم، أما راعك ما راعنا ولا أحسست بما ورد علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما جُعل للرجل قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، والله عز وجل إذا أفرد بكرامته أحدًا وأحب ان يبقى له ذكرها جعل تلك الكرامة على