يا عمَّ أمير المؤمنين ليسعنا عفوكم اذًا، قال: أما العفو فنعم قد وسعكم، فإن أحببت زوجتك من الفضل بن صالح بن علي، وزوجت أختك من أخيه عبد الله بن صالح، فقالت: يا عم أمير المؤمنين، وأي أوان عرس هذا؟ بل تلحقنا بحران، قال: فإذًا أفعل ذلك بكنَّ إن شاء الله، فألحقهن بحران، فعَلَتْ أصواتهن عند دخولهن بالبكاء على مروان، وشققن جيوبهن، وأعْوَلْنَ بالصياح والنحيب، حتى ارتج العسكر بالبكاء منهن على مروان.
فكان ملك مروان الى أن بويع أبو العباس السفاح خمس سنين وشهرين وعشرة أيام على حسب ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب من التنازع في مدة أيامه، ومن وقت أن بويع أبو العباس السفاح الى أن قتل ببوصير ثمانية أشهر، فكانت مدة أيامه إلى ان قتل خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقد قدمنا ما تنازعوا فيه من مقدار سنه وغير ذلك من أخباره، وقد أتينا على مبسوط أخباره فيما سلف من كتبنا.
وكان كاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعد صاحب الرسائل والبلاغات، وهو أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات في فصول الكتب، واستعمل الناس ذلك بعده.
وذكر أن مروان قال لكاتبه عبد الحميد- حين أيقن بزوال ملكه- قد احْتَجْتُ أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي، وإلا لم تعجز عن حفظ حُرَمي بعد وفاتي، فقال له عبد الحميد: إن الذي أشرت به عليَّ أنفع الأمرين لك، وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله أو أُقتل معك، وقال:-
أسِرُّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره؟
وقد أتينا على خبر أبي الورد ومقتله، وخبر بشر بن عبد الله الواحدي ومقتله في كتابنا الأوسط، فأغني ذلك عن ذكره.