منهم أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وكان مولى آل جُمح من قريش وكان ولي القضاء بعد ذلك، يشكون إلى المعتضد ما نزل بهم من محن الزمان وجدبٍ لحقهم، وجَوْرٍ من العمال اعتورهم، وألحوا بالصياح والضجيج في مراكبهم في دجلة، فجلس لهم المعتضد من وراء حجاب، وأمر الوزير القاسم بن عبيد الله وغيره من كتاب الدواوين بالجلوس لهم من حيث يسمع المعتضد خطابهم، فيقصون لهم بما يشكونه من حكم الدواوين، ثم أذن للبصريين فدخلوا، وأبو خليفة في أولهم، عليهم الطيالسة الزرق والأقناع على رؤوسهم، ذوو عوارض جميلة وهيئة حسنة، فاستحسن المعتضد ما رأى منهم، وكان المبتدئ منهم بالنطق أبو خليفة، فقال: غمر العامر، ودَثَرَ الظاهر واختلفت العَوَّاء، وخسفت الجوزاء، وأناخت علينا المصائب واعتورتنا المحن، وقام كل رجل منا في ظلمة، واصطلمت الضياع، وانخفضت القلاع، فانظر إلينا بعين الإمام، تستقيم لك الأيام، وتنقاد لك الأنام، وإلا فنحن البصريون لا ندفع عن فضيلة، ولا نتنافس عن جليلة، وسجع في كلامه، وأغرق في خطابه، فقال له الوزير: أحسبك مؤدبًا أيها الشيخ، فقال له: أيها الوزير، المؤدبون أجلسوك هذا المجلس، قال له الوزير: كم في خمس من الإبل؟ قال له أبو خليفة: الخبيرَ سألت، في خمس من الإبل شاة، وفي العشر شاتان، ثم مضى في وصف فرائض الإبل واصفًا لما يجب فيها، ذاكرًا للتنازع في موضعه منها، ثم شرع في البقر والغنم، بلسان فصيح وخطاب حسن في إيجاز من خطاب وبيان من الوصف، فبعث المعتضد- وقد أعجبه ما سمع، وأكثر لذلك من الضحك- بخادم الى الوزير، فقال له: اكتب لهم عما يريدون، وأجبهم الى ما سألوه، ولا تصرفهم إلا شاكرين فهذا شيطان قذف به البحر، ومثله فليفد على الملوك.
وكان أبو خليفة لا يتكلف الاعراب، بل قد صار له كالطبع، لدوام استعماله إياه من عنفوان حداثته، وكان ذا محل من الاسناد.