وفي سنة تسع وأربعين ومائتين عقد المستعين لابنه العباس على مكة والمدينة والبصرة والكوفة، وعزم على البيعة له، فأخرها لصغر سنه، وكان عيسى بن فرخنشاه قال لأبي علي البصير الشاعر أن يقول في ذلك شعرًا يشير فيه بالبيعة له، فقال في ذلك قصيدة طويلة يقول فيها:
بك الله حاط الدين وانتاش اهله ... من الموقف الدحض الذي مثله يردي
فولِّ ابنك العباس عهدك، انه ... له موضع، واكتب الى الناس بالعهد
فإن خلّفته السن فالعقل بالغ ... به رتبة الشيخ الموفق للرشد
وقد كان يحيى أوتيَ العلم قبله ... صبيًا وعيسى كلَّم الناس في المهد
بين محمد بن طاهر وأبي العباس المكي:
وقال أبو العباس المكي: كنت أنادم محمد بن طاهر بالري قبل مواقعته الطالبيين فما رأيته في وقت من الأوقات أشد سرورًا منه ولا أكثر نشاطًا قبل ظهور العلوي بالري، وذلك في سنة خمسين ومائتين، وقد كنت عنده ليلة أتحدث، والخير وافد والستر مُسْبَل إذ قال: كأني أشتهي الطعام فما آكل؟ قلت: صدر دراج أو قطعة من جدي باردة، قال: يا غلام، هات رغيفًا وخلا وملحًا، فأكل من ذلك، فلما كان في الليلة الثانية قال: يا أبا العباس، كأني جائع فما ترى أن آكل؟
قلت: ما أكلت البارحة، فقال أنت لا تعرف فرق ما بين الكلامين، قلت البارحة: كأني أشتهي الطعام، وقلت الليلة: كأني جائع، وبينهما فرق، فدعا بالطعام، ثم قال لي: صف لي الطعام والشراب والطيب والنساء والخيل، قلت: أيكون ذلك منثورًا أو منظومًا؟ قال: لا، بل منثورًا، قلت: أطيب الطعام ما لقي الجوع بطعم وافق شهوة، قال: فما أطيب الشراب؟
قلت: كأس مدام تبرد بها غليلك، وتعاطي بها خليلك، قال: فأي السماع أفضل؟ قلت: أوتار أربعة، وجارية متربعة، غناؤها عجيب، وصوتها مصيب، قال: أي الطيب أطيب؟ قلت: ريح حبيب تحبه، وقرب