والى غيرهم من الطوائف السالفة في بدو العالم وفنائه، ومن قال منهم ببقائه، وأن لا بَدْء له ولا نهاية، ومن ذهب منهم الى ان له انتهاء ولا بدء له، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا فأغنى ذلك عن الإعادة في هذا الكتاب، لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز والتنبيه على ما سلف لنا من الكتب.
وقد ذهب جماعة من أهل البحث والنظر من اهل الاسلام الى أن الدلالة قد قامت على حدوث العالم وكونه بعد أن لم يكن، وأن المحدث له الخالق الباري جل وعز، أحدثه لا من شيء، ويبعثه لا من شيء في الآخرة ليصح بذلك وعده ووعيده، إذ كان الصادق في وعده ووعيده لا مبدل لكلماته، وأن أول العالم من لدن آدم، وقد غاب عنا حصر السنين وإحصاؤها، وتنازع الناس في بدء التاريخ، والكتابُ لم يخبر بحصر أوقاته ولا بَيَّنَ عن كيفيته ولا أعداد سنيه فيما مضى، وليس علم ذلك مما تهجم عليه الآراء، ولا تحصره أقضياتُ العقول وموجبات الفحص وضرورات الحواس عند مذاكرتها لمحسوساتها، فكيف توجب أن يوقت عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة، والله عز وجل يقول وقد ذكر الأجيال ومن ضمه الهلاك: «و عادًا وثمود وأصحاب الرس وقرونًا بين ذلك كثيرًا» والله تعالى ذكره لا يقول الكثير إلا في الشيء الحقيقي الكثير، وأعلمنا في كتابه خلقه آدم وما كان من أمره وأمر الأنبياء بعده، وأخبر عن شأن بَدء الخلق، ولم يخبرنا بمقدار ذلك فنقف عليه كوقوفنا عند ما أخبرنا به، ولا سيما مع علمنا أن المدَى بيننا وبينه متفاوت، وأن الارض كثرت بها المدن