نهر بلخ ولا سيحان ولا جيحان شيء من التماسيح، وهي في نيل مصر ضارة بلا منفعة ومفسدة غير مصلحة، وفي ذلك يقول الشاعر:-
أظهَرْتُ للنيل هِجْرانًا ومَقْلِية ... إذ قيل لي إنما التمساح في النيل
فمن رأى النيل رَأيَ العين من كثب ... فما أرى النيل إلا في النواقيل
قال: ويحك! ما النواقيل التي ترى النيل فيها؟ قلت: القلال والكِيزان يسمونها بهذا الاسم، قال: وما مراد الشاعر فيما وصف؟ قال: لأنه لا يتمتع بالماء إلا في الآنية، لخوف مباشرة الماء في النيل من التمساح، لأنه يختطف الناس وسائر الحيوان، قال: إن هذا النهر قد منع هذا النوع من الحيوان مصالح الناس منه، وقد كنت متشوقًا إلى النظر إليها، فلقد زهدتني عنها بوصفك لها.
قال ابن دأب: ثم سألني الهادي عن مدينة دنقلة، وهي دار مملكة النوبة، كم المسافة بينها وبين أسوان؟ قلت: قد قيل أربعون يومًا على شاطئ النيل عمائر متصلة.
بين البصرة والكوفة:
قال ابن دأب: ثم قال لي الهادي: إيهًا يا ابن دأب، دع عنك ذكر المغرب وأخباره، وهلم بنا إلى ذكر فضائل البصرة والكوفة وما زادت به كل واحدة منهما على الأخرى، قال: قلت: ذكر عن عبد الملك بن عمير، أنه قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت شيخًا قبيحًا إلا ورأيت في وجه الأحنف منه شبها، كان صَعْل الرأس، أجْخى العين، أعْصَف الأذن، باخِقَ العين، ناتئ الوجه، مائل الشِّدْق، متراكب الأسنان، خفيف العارضين، أحْنف الرِّجْل، ولكنه كان إذا تكلم جَلّى عن نفسه، فجعل يفاخرنا ذات يوم بالبصرة ونفاخره بالكوفة، فقلنا: الكوفة أغذى وأمرأ وأفسح وأطيب،