من العشرة، وقد استوعبوا عدة القوم، فقال المأمون للموكلين: من هذا؟ قالوا: والله ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال له المأمون: ما خبرك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إمرأتي طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئًا، وإنما أنا رجل طفيلي، وقصَّ عليه خبره من أوله إلى آخره، فضحك المأمون، ثم أظهر له الصورة، فلعنها وتبرأ منها، وقال: أعطونِيها حتى أسلح عليها، والله ما أدري ما ماني: أيهوديًا كان أم مُسلمًا، فقال المأمون: يؤدَّبُ على فرط تطفله ومخاطرته بنفسه.
وكان إبراهيم بن المهدي قائمًا بين يدي المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْ لي ذنبه وأحدثك بحديث عجب في التطفيل عن نفسي، قال: قل يا إبراهيم.
قال: يا أمير المؤمنين، خرجت يومًا فمررت في سِكك بغداد متطرفًا، حتى انتهيت الى موضع، فشممت رائحة أبازير من جناح في دار عالية، وقدور قد فاح قتارها، فتاقت نفسي إليها، فوقفت على خيّاط فقلت: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار من البزازين، قلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان، فرفعت طرفي الى الجناح، فإذا فيه شباك، فنظرت الى كف قد خرجت من الشباك ومِعصم ما رأيت أحسن منهما قط، فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكف والمعصم عن رائحة القدور، فبقيت باهتًا وقد ذُهِلَ عقلي، ثم قلت للخياط: هو ممن يشرب النبيذ؟ قال: نعم، وأحسب أن عنده اليوم دعوة، ولا ينادم إلا تجارًا مثله، مستورين، فأنا كذلك إذ اقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، فقال لي الخياط: هذان منادماه، قلت: ما اسماهما وما كُناهما؟ فقال: فلان وفلان، فحركت دابتي حتى دخلت بينهما، وقلت: جعلت فداكما قد استبطأ كما أبو فلان أعزه الله، وسايرتهما حتى انتهينا الى الباب، فقدَّماني، فدخلت ودخلا، فلما رآني صاحب المنزل لم يشكَّ إلا أني منهما بسبيل،