وهرب وأسرع جذيمة في طلبه، فلم يجده، وقال بعضهم: بل قتله، وبعث إليها يقول:-
حَدّثيني رَقَاشِ لا تكذبيني ... أبحرٍّ زنيت أم بهجين؟
أم بعبدٍ فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟
فأجابته رقاش تقول:-
أنْت زَوّجتنِي وما كنت أدري ... وأتاني النساءُ للتزيين
ذَاك من شُرْبِك المدامةَ صِرْفًا ... وتماديكَ في الصبا والمُجُونِ
فنقلها جَذِيمة إليه، وحصنها في قصره، فاشتملت على حمل، وولدت غلامًا فسمته عمرًا، ووشحته، حتى إذا ترعرع حَلَّته وعطرته وألبسته كسوة فاخرة، ثم أزارته خاله، فأعجب به، وألقيت عليه منه محبة ومودة حتى إذا خرج الملك في سنة مُكْلِئة قد أكمأت، فبسط له في رَوْضَة، وخرج عمرو في غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خَبَأها، ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يتقدمهم، ويقول:-
هذا جَنَايَ وخياره فيه ... إذ كل جان يدُهُ الى فيه
فالتزمه جذيمة وحباه، ثم إن الجن استطارته، فضرب له جذيمة في الآفاق زمانا، فلم يسمع له بخبر فكف عنه، إذ أقبل رجلان يقال لأحدهما: مالك، وللآخر: عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قَيْنة يقال لها أم عمرو، فنصبت لهما قدرًا، وأصلحت لهما طعامًا، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل اشعث أغبر