انّ معاذ بن مسلم رجل ... قد ضَجَّ من طول عمره الأبَد
قد شاب رأس الزمان واختضب ... الدهر وأثواب عمره جُدُد
يا نسر لقمان كم تعيش؟ وكم ... تلبس ثوب الحياة يا لُبَدُ؟
قد أصبحَتْ دار حمير خَربِت ... وأنت فيها كأنك الوَتِدُ
تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصُّدَاع والرمد
وقد قدمنا فيما سلف في مواضع من هذا الكتاب ما قالت الأوائل في علة طول الأعمار وقصرها، وعظم الأجسام في بَدء الأمر، وتناقصها على مرور الأعصار ومُضي الدهور، وأن الله تبارك وتعالى لما بدأ الخلق كانت الطبيعة التي جعلها الله جبلَّة للأجسام في تمام الكثرة ونهاية القوة والكمال، والطبيعة إذا كانت تامة القوة كانت الأعمار أطول، والأجسام أقوى، لأن طرق الموت الطارئ يكون بانحلال قوى الطبيعة، فلما كانت القوة أتم، كانت الاعتمار أزيد، وكان العالم في أولية شأنه تام العمر، ثم لم يزل ينقص أولا فأولا لنقصان المادة، فتنقص الأجسام والأعمار مع نقصان المادة، حتى يكون آخر مائية الطبيعة في تناهي النقص في الأجسام والأعمار.
وقد أبى ما ذكرنا من عظم أجسام الناطقين في صدور الزمان كثير من أهل النظر والبحث ممن تأخر، وزعموا أن تأثيرهم في بنيانهم وما ظهر في الأرض من أعمالهم يدل على صغر أجسامهم، وأنها كانت كأجسامنا، لما شاهدوه من مساكنهم وأبوابهم وممراتهم فيما