كل واحد منهما من صاحبه، وأحضر معاوية الخواصَّ من أهل الشام، ومنع أن يدخل معهم أحد من حاشية عمرو، فقال لهم عمرو: قد رأيت أن أبايع معاوية، فلم أر أحدًا أقوى على هذا الأمر منه، فبايعه أهل الشام وانصرف معاوية إلى منزله خليفة.
ولما بلغ عليًا ما كان من أمر أبي موسى وعمرو قال: إني كنت تقدمت إليكم في هذه الحكومة ونهيتكم عنها، فأبيتم إلا عصياني، فكيف رأيتم عاقبة أمركم إذا أبيتم علي؟ والله إني لأعرف من حملكم على خلافي والترك لأمري، ولو أشاء أخذه لفعلت، ولكن الله من ورائه، يريد بذلك الأشعث بن قيس والله أعلم، وكنت فيما أمرت به كما قال أخو بني خثعم:
أمرتهُمُ أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضُحى الغد
من دعا إلى هذه الحكومة فاقتلوه قتله الله ولو كان تحت عمامتي هذه، ألا إن هذين الرجلين الخاطئين اللذين اخترتموهما حكمين قد تركا حكم الله، وحكما بهوى أنفسهما بغير حجة ولا حق معروف، فأماتا ما أحيا القرآن، وأحييا ما أماته، واختلف في حكمهما كلامهما، ولم يرشدهما الله ولم يوفقهما، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فتأهبوا للجهاد واستعدوا للمسير، وأصبحوا في عساكركم، إن شاء الله تعالى.
قال المسعودي: وقد اختلفت الفرق من أهل ملتنا في الحكمين، وقالوا في ذلك أقاويل كثيرة، وقد أتينا على ما ذهبوا اليه في ذلك وما قاله كل فريق منهم، ومن أيد قوله من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم من فرق هذه الأمة في كتابنا في «المقالات في أصول الديانات» وذكرنا في كتاب «أخبار الزمان» قول علي في مواقفه وخطبه،