وما قاله في ذلك، وما اكره عليه، وتأنيبه لهم بعد الحكومة، وما تقدم الحكومة من تحذيره إياهم منها حين ألحوا في تحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو، وحيث قال: ألا إن القوم قد اختاروا لأنفسهم أقرب الناس مما يحبون، واخترتم لأنفسكم أقرب الناس مما تكرهون، إنما عهدكم بعبد الله بن قيس بالأمس وهو يقول: ألا إنها فتنة، فقطِّعوا فيها أوتاركم وكسروا قسيَّكم، فإن يك صادقًا فقد أخطأ في مسيره غير مستكره عليه، وإن يك كاذبًا فقد لزمته التهمة، وهذا كلام أبي موسى في تخذيله الناسَ، وتحريضهم على الجلوس وتثبيطهم عن أمير المؤمنين علي في حروبه ومسيره إلى الجمل وغيره، ثم ما قاله في بعض مقاماته في معاتبته لقريش، وقد بلغه عن أناس منهم ممن قعد عن بيعته ونافق في خلافته كلام كثير، فقال: وقد زعمت قريش أن ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحروب، ترِبَت أيديهم! وهل فيهم أشد مِراسًا لها مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد أربيت على نيف وستين، ولكن لا رأيَ لمن لا يُطاع.
قال المسعودي: وإذا قد تقدم ذكرنا لجملٍ من أخبار الجمل وصفين والحكمين، فلنذكر الآن جوامع من أخبار يوم النهروان، ونعقب ذلك بذكر مقتله عليه السلام، وإن كنا قد أتينا على مبسوط سائر ما تقدم لنا في هذا الكتاب، وما تأخر، فيما سلف من كتبنا، والله أعلم.