وبيعة قد نكثت أيمانها ... وفتنة قد سُعِّرَت نيرانها
فقلت له: ويحك ما تقول؟! قال: أقول إن السيوف سَتُسَل، والفتنة ستقع، والتنازع في الملك سيظهر، قلت: وكيف ترى ذلك؟ قال: أما ترى البعير واقفًا والرجلان يتنازعان والغرابان قد وقعا على الدَّمِ والتطخا به، والله لا يكون آخِرُ هذا الأمر إلا محاربة وشرًا.
ويروى أن الأمين لمَّا حلفَ للرشيد بما حلفَ له به، وأراد الخروج من الكعبة رَدَّ جعفر بن يحيى، وقال له: فإن غدرتَ بأخيك خَذَلك الله، حتى فعل ذلك ثلاثًا في كلها يحلف له، وبهذا السبب اضطغنت أم جعفر على جعفر بن يحيى، فكانت أحَدَ من حَرَّضَ الرشيد على أمره، وبعثته على ما نزل به.
قال المسعودي: وفي سنة سبع وثمانين ومائة بايع الرشيد لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون، فإذا أفضت الخلافة إلى المأمون كان أمره إليه، إن شاء أن يقرّه أقرّه، وإن شاء أن يخلعه خلعه.
وفي هذه السنة- وهي سنة سبع وثمانين ومائة- توفي الفُضَيْلُ بن عياض ويكنى أبا علي، وكان مولده بخراسان، وقدم الكوفة، وسمع من المنصور بن المعتمر وغيره، ثم تعبد وانتقل إلى مكة فأقام بها إلى أن مات.
حدث سفيان بن عيينة قال: دعانا الرشيد، فدخلنا عليه ودخل الفضيل آخرنا مقنعًا رأسه بردائه، فقال لي: يا سفيان، أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، وأومأت إلى الرشيد، فقال له أنت يا حسن الوجه، الذي أمْرُ هذه الأمة في يدك وعنقك؟ لقد تقلدت أمرًا عظيمًا، فبكى الرشيد، ثم أتى كل رجل منا ببدرة، فكلُّ قبلها إلا الفضيل، فقال له الرشيد: يا أبا علي،