يا موسى، حبست مظلومًا فقل هذه الكلمات فإنك لا تبيت هذه الليلة في الحبس، فقلت: بأبي وأمي ما أقول؟ فقال: قل يا سامع كل صوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحما ومنشرها بعد الموت، أسألك بأسمائك الحسنى وباسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين، يا حليما ذا أناة لا يقوى على أناته، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، ولا يحصى عددا، فرج عني، فكان ما ترى.
وذكر حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: قال ابراهيم بن المهدي: حججت مع الرشيد فبينا نحن في الطريق وقد انفردتُ أسيرُ وحدي وأنا على دابتي، إذ غلبتني عيناي فسلَكتْ بي الدابة غير الطريق، فانتبهت وأنا على غير الجادَّة، فاشتدَّ بي الحر، فعطشْتُ عطشًا شديدًا، فارتفع لي خباء، فقصدته، فإذا بقبة وبجنبها بئر ماء بقرب مَزرَعة، وذلك بين مكة والمدينة، ولم أر بها إنسيًا، فأطلعت في القبة فإذا أنا بأسود نائم فأحس بي ففتح عينيه كأنهما إجَّانَتَا دم، فاستوى جالسًا، وإذا هو عظيم الصورة، فقلت: يا أسود، اسقني من هذا الماء، فقال: يا أسود اسقني من هذا الماء، محاكيًا لي، وقال: إن كنت عطشانًا فانزل واشرب، وكان تحتي برذون خبيث نفور، فخشيت أن أنزل عنه فينفر، فضربت رأس البرذون، وما نفعني الغناء قط إلا في ذلك اليوم، وذلك أني رفعت عقيرتي وأنا أغني:
كفِّنُوني إن مت في دِرْع أرْوى ... واستقوا لي من بئر عُرْوَةَ ماء
فلها مربع بجنب أجاج ... ومصيف بالقصر قصر قباء
سخنة في الشتاء، باردة في ال ... صيف بدْرٌ في الليلة الظلماء
فرفع الأسود رأسه الي وقال: أيما أحب إليك: أن أسقيك ماء وحده، أو ماء أو سويقا؟ قلت: الماء والسويق، فأخرج قَعْبًا له فصبَّ السويق