فهرس الكتاب

الصفحة 1225 من 1697

في القدح فسقاني، وأقبل يضرب بيده على رأسه وصدره، ويقول: وا حرّ صدراه، وانارات اللهب في فؤادي. يا مولاي زدني وأنا أزيدك، وشربت السويق، ثم قال لي: يا مولاي، إن بينك وبين الطريق أميالا، ولست أشك أنك تعطش، لكن املأ قربتي هذه واحملها قدامك، فقلت: افعل، قال: فملأ قربته وسار قدامي وهو يحجل في مشيته غير خارج عن الإيقاع فإذا أمسكت لأستريح أقبل علي فقال: يا مولاي، أما عطشت، فأغنيه النصب، إلى أن أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سر رعاك الله ولا سلبك ما كساك من هذه النعم، بكلام عجمي معناه هذا الدعاء، فلحقت بالقافلة والرشيد كان قد فقدني، وقد بث البُختَ والخيل في البر يطلبونني، فسرَّ بي حين رآني، فأتيته، فقصصت عليه الأمر، فقال: علي بالأسود، فما كان إلا هنيهة حتى مثل بين يديه، فقال له: ويلك! ما حر صدرك؟ فقال: يا مولاي ميمونة، قال: ومن ميمونة؟ قال: بنت حبشية، قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال يا مولاي، فأمر من يستفهمه، فإذا الأسود عبد لبني جعفر الطيار، وإذا السوداء التي يهواها لقوم من ولد الحسن بن علي، فأمر الرشيد بابتياعها له، فأبى مواليها أن يقبلوا لها ثمنًا، ووهبوها للرشيد، فاشترى الأسود وأعتقه، وزوجه منها، ووهب له من ماله بالمدينة حديقتين وثلثمائة دينار.

ودخل ابن السماك على الرشيد يومًا وبين يديه حمامة تلتقط حبا، فقال له: صفها وأوجز، فقال كأنما تنظر من ياقوتتين، وتلتقط بدرتين، وتطأ على عقيقتين، وأنشدونا لبعضهم:

هتفت هاتفة ... آذنها إلفٌ ببين

ذات طوق مثل عطف ال ... نون أقني الطرفين

وتراها ناظرة نح ... وك من ياقوتتين

ترجع الأنفاس من ثق ... بين كاللؤلؤتين

وترى مثل البساتي ... ن لها قادمتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت