أثبت، فبلغ ذلك عليًّا، فقال: لليدين والفم، وبلغ ذلك معاوية، فقال: إن للَّه جندًا من العسل.
وقبض أصحابه عن عليّ في هذه السنة ثلاثة أرزاق على حسب ما كان يحمل إليه من المال من أعماله، ثم ورد عليه مال من أصبهان، فخطب الناس، وقال: اغدوا الى عطاء رابع، فو الله ما أنا لكم بخازن، وكان في عطائه أسوة للناس يأخذ كما يأخذ الواحد منهم.
ولم يكن بين علي ومعاوية من الحرب إلا ما وصفنا بصفين، وكان معاوية في بقية أيام علي يبعث سرايا تغير، وكذلك علي كان يبعث من يمنع سرايا معاوية من أذية الناس، وقد أتينا على ذكر السرايا والغارات فيما سلف من كتبنا.
قال المسعودي رحمه الله: وقد تكلم طوائف من الناس ممن سلف وخلف من أهل الآراء من الخوارج وغيرهم في فعل عليّ يوم الجمل، وصفين، وتباين حكمه فيهما، من قتله من أهل صفين، مقبلين ومدبرين، وإجهازه على جَرْحَاهم، ويوم الجمل لم يتبع مُوَليًا، ولا أجهز على جريح، ومن ألقى سلاحه أو دخل داره كان آمنًا، وما أجابهم به شيعة علي في تباين حكم علي في هذين اليومين لاختلاف حكمهما، وهو أن أصحاب لجمل لما انكشفوا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنما رجع القوم الى منازلهم، غير محاربين ولا منابذين، ولا لأمره مخالفين، فرضوا بالكف عنهم، وكان الحكم فيهم رفع السيف، إذ لم يطلبوا عليه أعوانًا، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة، وإمام منتصب، يجمع لهم السلاح، ويُسْنِي لهم الأعْطِيَةَ، ويقسم لهم الأموال، ويجبر كسيرهم، ويحمل راجلهم، ويردهم، فيرجعون إلى الحرب، وهم الى إمامته منقادون، ولرأيه متبعون، ولغيره مخالفون، ولإمامته