قال: ما أرى الأمر كما ذكرت، فأمر له بأربعة آلاف درهم، وأمره أن يصير اليه مسلِّمًا ولا مستميحًا، فلما كان بعد سنة صار اليه، فقال: إني لم أقدم عليك للأمرين اللذين نهيتني عنهما، وإنما بلغني أن علة عرضت لأمير المؤمنين فأتيته عائدًا، فقال ما اظنك اتيت الا مستوصلا، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فلما كان بعد الحول ألح عليه بناته وزوجته، وقلن له يا أمير المؤمنين صديقك فارجع اليه، فقال: ويحكن!! ما ذا اقول له وقد قلت له أتيتك مستميحًا ومسلما وعائدًا؟ ما ذا اقول في هذه المرة؟ وبمَ أحتج؟ فأبوا على الشيخ الا الإلحاح، فخرج فأتى المنصور وقال: لم آتك مسترفدًا، ولا زائرًا ولا عائدًا، وإنما جئت لسماع حديث كنا سمعناه جميعًا في بلد كذا من فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه اسم من أسماء الله تعالى من سأل الله به لم يرده ولم يخيب دعوته، فقال له المنصور: لا تُرِدْهُ فإني قد جربته فليس هو بمستجاب، وذلك اني مذ جئتني اسأل الله به ان لا يردك إليّ، وها أنت ترجع لا تنفك من قولك مسلمًا او عائدًا او زائرًا، ووصله بأربعة آلاف درهم، وقال له: قد أعيتني فيك الحيلة فصر إلي متى شئت.
وفي سنة تسع ومائتين ركب المأمون الى المطبق بالليل حتى قتل ابن عائشة، وهو رجل من ولد العباس بن عبد المطلب، واسمه إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن ابراهيم الإمام اخي أبي العباس والمنصور، وقتل معه محمد بن ابراهيم الإفريقي وغيره، وابن عائشة هذا أول عباسي صُلِبَ في الإسلام، وتمثل المأمون حين قتله بقول الشاعر:-
إذا النار في أحجارها مستكنة ... متى ما يُهِجْها قادحٌ تتضرم
وكان رجل من ولد العباس بن علي بن أبي طالب ذو مال وثروة وعز ومنعة وفهم وبلاغة، وهو العباس العلوي، بمدينة السلام، وكان