فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 1697

الأجسام، فان العقول والآراء تتولد من حيث تولد الهواء، وطبع الهواء الفضاء، وفي هذا الأمن من العاهات والاسقام والعلل والآلام، فآثرت العرب سكنى البوادي والحلولَ في البيداء، فهم أقوى الناس همما، وأشدهم أحلاما، وأصحهم اجسامًا، وأعزهم جارًا، وأحماهم ذمارًا وافضلهم جوارًا، واجودهم فطنا، لما أكسبهم إياه صفاء الجو ونقاء الفضاء، لأن الأبدان تحتوي اجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار مما يرتفع اليه، ويتلاطم في عرصاته وأفقه من جميع المستحيلات والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميع ما يتصعد اليه، ولذلك تراكبت الأقذاء والأدواء والعاهات في اهل المدن، وتركبت في اجسامهم، وتضاعفت في اشعارهم وأبصارهم، ففضلت العرب على سائر من عداها من بوادي الأمم المتفرقة لما ذكرنا من تخيرها الاماكن وارتيادها المواطن.

قال المسعودي: ولذلك جانبوا فظاظة الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حُزونُ الارض ودهاسُها، وذلك ان هذه الأمم الساكنة هذه الجبال والاودية تناسب اخلاقها مساكنها في انخفاضها وارتفاعها، لعدم استقامة الاعتدال في أرضها، فلذلك اخلاق قُطَّانها على ما هي عليه من الجفاء والغلظ.

خطيب العرب عند كسرى يعلل اختيار قومه البداوة:

وذكر الهيثم بن عدي والشرقي بن القطامي وغيرهما من الاخباريين انه وفد على كسرى انو شروان بعض خطباء العرب، فسأله كسرى عن شأن العرب وسكناها البر واختيارها البدو، فقال: ايها الملك، ملكوا الارض ولم تملكهم، وأمنوا عن التحصن بالأسوار، واعتمدوا على المرهفات الباترة، والرماح الشارعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت