وحمد سيرته، وقال: لا بل لأمر لا يمكنني ذكره حتى تخلو، فقال عبد الملك لجلسائه: انصرفوا، وخلا بروح، فأخبره بقصته وأنشده الأبيات، فضحك عبد الملك حتى استغرق، وقال: ثقلت على بشر وأصحابه حتى احتالوا لك بما رأيت، فلا تُرَعْ.
ولما اتصل قتل مصعب بأخيه عبد الله أضرب عن ذكره حتى تحدث بذلك العبيد والإماء في سكك المدينة ومكة، فصعد المنبر وجبينه يَرشَح عرقًا، فقال: الحمد للَّه ملك الدنيا والآخرة، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ألا إنه لن يذل الله من كان الحق معه، ولن يعز من كان أولياء الشيطان حزبه، إنه أتانا خبر من العراق أحزننا وأفرحنا، وهو قتل مصعب، فأما الذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذلك إلى كريم الصبر وجميل العزاء، وأما الذي أفرحنا فإن القتل له شهادة، ويجعل الله لنا وله في ذلك الخيرة، أما والله إنا لا نموت حتفًا كميتة آل أبي العاص وإنما نموت قَعْصًا بالرماح، وقتلا تحت ظلال السيوف، ألا وإن الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا يتبدل، فإن تقبل الدنيا على لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تدبر عني لا أبكي عليها بكاء الحزين المهين.
الحجاج في مكة:
فأتى الحجاج الطائف، فأقام بها شهورًا، ثم زحف إلى مكة، فحاصر ابن الزبير بها، وكتب إلى عبد الملك إني قد ظفرت بأبي قُبَيس، فلما ورد كتابه على عبد الملك بحصار ابن الزبير بمكة والظفر بأبي قُبَيس كبر عبد الملك فكبر من معه في داره، واتصل التكبير بمن في جامع دمشق فكبروا، واتصل ذلك بأهل الأسواق فكبروا ثم سألوا عن الخبر،