وقد صنف عمرو بن بحر الجاحظ كتابًا في فخر السودان ومناظرتهم مع البيضان.
والهند لا تملِّكُ الملك عليها حتى يبلغ من عمره أربعين سنة، ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامهم إلا في كل برهة من الزمان معلومة، ويكون ظهورها للنظر في أمور الرعية لأن في نظر العوام عندها إلى ملوكها خرقًا لهيبتها واستخفافًا بحقها، والرياسات عند هؤلاء لا تجوز إلا بالتخير، ووضع الأشياء مواضعها من مراتب السياسة.
قال المسعودي: ورأيت في بلاد سرنديب، وهي جزيرة من جزائر البحر، أن الملك من ملوكهم إذا مات صُيِّر على عجلة قريبة من الارض صغيرة البكرة مُعَدة لهذا المعنى، وشعره ينجر على الأرض، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التراب على رأسه، وتنادي: أيها الناس، هذا ملككم بالأمس قد ملككم وجاز فيكم حكمه، وقد صار أمره إلى ما ترون من ترك الدنيا، وقَبَضَ روحه ملك الموت، والحي القديم الذي لا يموت، فلا تغتروا بالحياة بعده، وتقول كلامًا هذا معناه من الترهيب والتزهيد في هذا العالم، ويطاف به كذلك في جميع شوارع المدينة، ثم يفصل أربع قطع، وقد هيئ له الصندل والكافور وسائر أنواع الطيب، فيحرق بالنار، ويُذَرُّ رماده في الرياح، وكذا فعل أكثر أهل الهند بملوكهم وخواصهم لغرض يذكرونه، ونهج يتيممونه في المستقبل من الزمان، والملك مقصور على أهل بيتٍ لا ينتقل عنهم الى غيرهم، وكذلك بيت الوزراء والقضاة وسائر أهل المراتب لا تغير ولا تبدل.
والهند تمنع من شرب الشراب ويعنفون شاربه، لا على طريق التدين ولكن تنزهًا عن أن يوردوا على عقولهم ما يغشيها، ويزيلها