قال المسعودي: وقال المنصور للربيع يومًا: اذكر حاجتك، قال: يا أمير المؤمنين حاجتي أن تحبَّ الفضل ابني، فقال له: ويحك! إن المحبة إنما تقع بأسباب، قال: يا أمير المؤمنين، قد أمكنك الله من إيقاع السبب، قال: وما ذاك؟ قال: تُفْضِل عليه، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك، وإذا أحبك أحببته، قال: والله قد أحببته قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبة دون كل شيء؟ قال: لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه، وصغر عندك كبير إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك كحاجة الشفيع العريان.
وقال المنصور يوما للربيع: ويحك يا ربيع! ما أطيب الدنيا لو لا الموت، قال له: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذلك؟ قال: لو لا الموت لم تقعد هذا المقعد، قال: صدقت.
بين المنصور وعمرو بن عبيد:
وذكر إسحاق بن الفضل قال: بينا أنا على باب المنصور إذ أتى عمرو بن عُبَيْدٍ فنزل عن حماره، وجلس، فخرج اليه الربيع، فقال له: قم أبا عثمان، بأبي أنت وأمي! فلما دخل على أبي جعفر أمر أن تفرش له لبود بقربه، وأجلسه اليه بعد ما سلم. ثم قال: يا أبا عثمان، عِظْني بموعظة، فوعظه بمواعظ، فلما أراد النهوض قال: أمرنا لك بعشرة آلاف، قال: لا حاجة لي فيها، قال أبو جعفر: والله لتأخذنها قال: لا والله لا آخذها، وكان المهدي حاضرًا، فقال: يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت عمرو الى أبي جعفر فقال: من هذا الفتى؟ قال: هذا محمد ابني، وهو المهدي، وهو ولي عهدي، قال: أما والله لقد ألبسته لباسًا ما هو من لباس الأبرار، ولقد سميته باسم ما استحقَّه عملا، ولقد مهدت له أمرًا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم أقبل عمرو على المهدي فقال: نعم يا ابن أخي، إذا حَلف أبوك أحْنثه عمك، لأن أباك أقوى على الكفارات من عمك، فقال له المنصور: هل لك من حاجة يا أبا عثمان؟ قال: