فيسمعون كلام أولئك الرجال المرتبين على هذا النهر وما يقولون من تزهيدهم في هذا العالم والترغيب فيما سواه، فيطرحون أنفسهم من أعالي تلك الجبال العالية على تلك الأشجار العادية والسيوف والحدائد المنصوبة، فيتقطعون قطعًا، ويصيرون إلى هذا النهر أجزاء، وما ذكرنا فموصوف عنهم وما يفعلون على هذا النهر كذلك.
وهناك شجر من إحدى عجائب العالم ونوادره والغرائب من نباته، يظهر من الارض أغصان مشتبكة من أحسن ما يكون من الشجر والورق، فتستقيم في الجو كأبعد ما يكون من طوال النخل، ثم ينحني جميع ذلك منعكسًا فيعود في الارض مندسًا، ويهوي في قعرها سفلا على المقدار الذي ارتفع به في الهواء صُعدًا، حتى يغيب عن الابصار، ثم تظهر أغصان بادئة على حسب ما وصفنا في الاول فتذهب صُعدًا، ثم تنقطر منعكسة، ولا فرق بين المقدار الذي يذهب منها في الهواء ويتسع في الفضاء وبين ما يغيب منه تحت الأرض ويتوارى تحت الثرى، فلو لا ان الهند قد وكلت بقطعه من يراعيه من أمره لأمر يذكرونه، وخطر في المستقبل يصفونه، لطبق على تلك البلاد ولغشي تلك الأرض، ولهذا النوع من الشجر أخبار يطول ذكرها، يعرفها من طرأ الى تلك البلاد ورآها، او نمي اليه خبرها.
والهند تعذب أنفسها على ما وصفنا بأنواع العذاب من دون الأمم، وقد تيقنت أن ما ينالها من النعيم في المستقبل مؤجلًا لا يكون بغير ما أسلفته هو ما أسلفته وعذبت به أنفسها من تعذيب أنفسها في هذه الدار معجلًا، ومنهم من يصير الى باب الملك يستأذن في إحراقه نفسه، فيدور في الأسواق وقد أجِّجت له النار